عود و لكن ليس بأحمد... ها قد عدنا من جديد بعد غيبة... ننهى ما بدأناه
ما طار طير و ارتفع... إلا كما طار وقع
بعد مغادرة الأراضى الكاليفورنية... و زيارتى لعمى فى الأراضى التكساسوية... و الكثير من اللعب و الاستمتاع مع أولاد عمى... و قضاء العيد لأول مرة بعيدا عن الأراضى الدمنهورية - حفظها الله - ... عدت لأرض المحروسة - كما يسمونها - ... و هأنذا أنهى هذه السلسلة... و لكن يا لها من نهاية... لم أكن أتوقعها مطلقا...و لم يخطر لى ببال و أنا أبدأها أن تنتهى هكذا... و لكن قدر الله و ما شاء فعل
فبعد وصولى يوم الثلاثاء الموافق 22 سبتمبر 2009 لألحق ما بقى من أيام العيد مع عائلتى و أصدقائى ... توجهت يوم الخميس لمطروح مع بضع من أصدقائى كى نستمتع بآخر أيام الأجازة قبل العودة لمعترك الدراسة و العمل... و لكن أبت الأقدار أن تنتهى الرحلة كما أردنا بالسرور و البهجة... أبت الأقدار أن أهنأ بعودتى لأراضى المحروسة
ففى يوم السبت الموافق 26 سبتمبر 2009 قامت قوات أمن الدولة - كما يسمونها - بالقبض على أبى و أقرانه بتهمة الانضمام لجماعة محظورة و التخطيط لقلب نظام الحكم... و لا أدرِ كيف أدركوا فجأة بعد 30 عاما أنه عضو فى جماعة محظورة رغم أنه أبدا ما أخفى ذلك... كيف أصبح 13 من الرجال - فعلا لا قولا - على حين غفلة أعضاءا فى جماعة محظورة رغم أنهم أعلنوها مرارا و تكرارا بل و خاضوا انتخابات عدة من قبل باسم المحظورة فى مجلس الشعب و الشورى و غيرها... و لكن من دون سابق إنذار اكتشفت قوات أمن الكرسى - كما نسميها - بتحرياتها و استخباراتها أنهم منضمين سرا للمحظورة... لا أدر لماذا إذا يتركون الملايين الأخرى التى تجاهر بكونها أعضاءا فى نفس الجماعة... ربما لأن سجونهم لا تسع كل هؤلاء فى نفس الوقت
أيضا لا أدر كيف كانوا يخططون لقلب الحكم... وهم يتناولون الإفطار سويا... و لكن... الحمد لله... استطاعت قوات الأمن أن تحبط ذلك التجمع الذى كان سيؤذى مصرنا المحروسة و يضر بأمن و استقرار الكرسى
و فى يوم الجمعة الموافق 9 أكتوبر 2009 ... ضربت وزارة الداخلية عرض الحائط بقرارى محكمتى الجنح و الجنايات بإخلاء سبيل المجموعة و تبرئة ساحتهم... و أصدرت أمرا باعتقال المجموعة طبقا لقانون الطوارئ
لم أدر ماذا أقول لأختى الصغيرة ذات الأحد عشر عاما... و هى تسائلنى... "يعنى إييه اعتقال؟"... "طب ياخدوهم لحد امتا؟"... و هى تستنكر و تعلن" بس كده يبقى ظلم"... و يا له من ظلم
الظلم الذى أباح لقوات الأمن أن تعتقل د جمال حشمت بعد أسابيع من زفاف ابنته و تحيل العسل بصلا
الظلم الذى أباح لقوات الأمن فى مرة سابقة أن تلقى
بفارس من الشرفة لتهشم عظامه تنفيذا لأمر الضابط الذى أمرهم بعد أن أبلغوه أنه ألقى اللاب توب "ارموه وراه يجيبه"... و لم يتوانو بالطبع فى التنفيذ
الظلم الذى أباح لقوات الأمن أن تروع 12 أسرة و تقتحم بيوتهم بهمجية و غوغائية و ترهب النساء و الأطفال
الظلم الذى أباح لقوات الأمن أن تهشم باب شقتنا لعدم وجودنا و تقتحم غرفة أبى و تكسر أدراج مكتبه و حقائبه بحثا عما خف وزنه و غلا ثمنه
الظلم الذى أباح لقوات الأمن سرقة الأموال و أجهزة الكمبيوتر من كل بيت هاجموه
الظلم الذى جعل قوات الأمن تداهم بيت ابن أحد المتهمين لتأخذ جهاز الكمبيوتر الخاص به لأنهم لم يجدوا واحدا فى بيت أبيه دون تفتيش أو بحث عن أى شئ آخر كأنما قد قدموا لأخذ جهاز و لن يذهبوا بسواه
الظلم الذى جعل قوات الأمن تصدر قرارا مسبقا بالقبض على 13 لكى يفاجأوا أمام النيابة أن المقبوض عليهم 12 فقط و أن واحدا لم يحضر... فما الحل؟ إذا فلنقبض عليه أيضا... و لا أدر حتى الآن ما تهمته... فهو لم يكن يخطط لقلب نظام الحكم معهم
الظلم الذى سفّه قرارات القضاء و أصدر أمرا باعتقالهم باسم قانون الطوارئ... رغم تبرئة المحكمة لساحتهم مرتين
الظلم الذى قالت عنه أخت د جمال حشمت و هى تعتذر لأحد الجنود الذين منعونا من رؤيتهم يوم عرضهم على المحكمة... حتى من خلال الفتحة التى نراهم من خلالها يدخلون لقفص الاتهام ... بعد نهرها إياه إدراكا منها أنه مغلوب على أمره... "معلش يابنى... أصل الظلم لو دقته حتعرف إنه مر"... آآآه
سيدى الرئيس... كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قلقا مهموما خشية أن تتعثر بغلة فى العراق فيسائله ربه عنها... فكيف بملايين يغرقون و يحترقون و يشردون؟ كيف بملايين يمرضون و يجوعون و يعطشون و يبردون؟ كيف بآلاف معتقلون و مظلومون؟؟؟ و على أرض دولة أصغر بكثير من الدولة الإسلامية وقتها نتيجة لتشتت و اختلاف حكومات دولكم... بل مملكاتكم و ضيعاتكم
سيدى الرئيس... أخشى عليك أشد الخشية... من دعوة جدتى... المكلومة... دعوة لا أرجوها لألد أعدائنا... لا أرجوها لأعتى الظلمة و الكفرة... لا أريد ذكرها لقوتها و عظمتها و خشية أن تتحقق... و لكن الظلم دفعها لذلك... و هى لا تعلم أنه محبوس مقيد... و لكن فقط ظنا منها أنه مختبئ تقية الاعتقال... أشفق عليك لأنى أعلم كيف يتقبل الله دعوة المظلوم... و إنها لقطعا مظلومة أم أخذ منها ابنها فلذة كبدها لأنه "من الناس الكويسة" على حد قولها و فهمها
و من هنا أود أن أوجه رسالة إلى هؤلاء الظلمة... فى كل يوم و ليلة... يدعو عليكم المئات بل الآلاف بشتى أنواع العذاب و التنكيل... و لكنى كل يوم و ليلة أدعو لكم... أدعو الله أن يهديكم و يرشدكم... أدعو الله أن ينقذكم من أنفسكم و من شياطينكم
أدعو الله أن يرحمكم من دعوات المظلومين التى تنهال عليكم ليل نهار
أشفق عليكم من دعوات الأطفال الذين لا يدركون لما يعامل آباؤهم كالمجرمين و القتلة و الأشرار.. و الناس الوحشة على حد قولهم
أشفق عليكم من دعوات زوجات غاب عنهن أزواجهن و سترهن و أحبابهن و عائلوا أسرهن دون أى وجه حق
أشفق عليكم من دعوات أمهات متحسرات باكيات لا يعلمون ماذا اقترف أبناؤهن
و أبشركم أن ما تأملون و ترجون من وراء ذلك لن يتم و لو بعد ألف عام... و لو بعد مليون معتقل
إن كان لتشتيت الجماعة ... فهذا يزيدهم قوة و بأسا يوما بعد يوم... يزيدهم تكاتفا و تعاونا إلى أبعد مما تتصورون
و إن كان للتضييق على أسرهم... فهم شد ما يجدون تعاونا و تأييدا و مساعدة من كل من حولهم
و إن كان للضغط على أزواجهم... فهيهات هيهات... هؤلاء نسوة الواحدة منهن بألف منكم... لو رأيتم تلك الأم و هى تؤنب ابنتها التى لم تتعد العاشرة لأنها بكت أمام أبيها خوفا من أن يحزنه ذلك أو يثبط معنوياته... لو رأيتم نفس الأم و هى فرحة سعيدة لا يشغل بالها سوى أن زوجها و إخوانه تناولوا الإفطار بعد صيامهم و الشاى و الفاكهة قبل الاقتحام الغاشم و أنها أدت ما عليها من واجب لإكرام ضيوفها و نالت ثواب ربها من إفطار للصائمين... غير عابئة بالمبلغ الذى تعدى ال 140 ألفا كما قيل و الذى سرقته قوات الأمن من بيتها
و إن كان لتخويف و إرهاب النشء و الصغار... فأنتم حالمون... الأطفال يبهروننا يوما بعد آخر بمواقفهم و تفهمهم و فخرهم بآبائهم و تحملهم للمسئولية... تحمل المسئولية الذى جعل أختى الصغيرة تعطى ال 70 جنيها ... عيديتها... لأمها ظنا منها أن غياب أبيها عائل الأسرة سيؤثر على الأسرة ماديا... و تقول لها: " أنا مش عايزة مصروف يا ماما لحد بابا ما ييجى... أنا بأروح 3 أيام بس المدرسة و بآخد سندوتشات من البيت... حأعمل بيه إيييه؟"... آآآه
و إن كان لبلبلة الأبناء و هز ثقتهم ... فأنتم لا تدرون مدى العزة و الفخر فى قلوبنا تجاههم... ترددت قليلا قبل أن أكتب و لكن... كيف لا نفخر بهم... فاخر جرير شعراء زمنه بأبيه و بخله و شحه و شربه اللبن من ضرع الماعز لئلا يسمع جيرانه صوت الحلب فيطلبون منه... فكيف لا نفاخر بآبائنا و قد ضحوا بحرياتهم من أجلنا و أجلكم... ضحوا بحرياتهم لمواجهة الظلم و الطغيان... ضحوا بحرياتهم لأنهم قالوا لا... لا للاستبداد... لا للعدوان... لا للكبت و الجور فى كل مكان... كيف لا نفخر بهم و هم مضطهدون و جل ذنبهم أنهم رفضوا أن "يمشوا جنب الحيط" ... رفضوا أن يخضعوا و يستكينوا... رفضوا مقولتنا الشهيرة "عندى عيال عايز أربيها" و ذلك لا لشئ إلا من أجل العيال فى كل أنحاء بلادنا الذين يريد آباؤهم أن يربوهم
كيف لا أفخر بأبى - أبى الذى لم أره مذ 4 شهور إلا يوم قدمت و يوم رأيته فى قفص الاتهام لا أملك سوى أن أمس أصابعه بأطراف أناملى و أجهش بالبكاء - و هو فى نظرى واحد من أشجع الشجعان... كيف لا أفخر به و هو يجاهد أعظم الجهاد... أليس أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر؟؟؟
هذا ما دار بى فى الفترة الماضية ... و ما جعلنى أتجول فى أنحاء الموكوسة - كما نسميها - خلال 20 يوما ما بين القاهرة و الأسكندرية و دمنهور و مطروح و برج العرب و وادى النطرون... هذا ما شكل النهاية التى ما تمنيتها لتلك السلسلة لكى تتشكل حلقة أخرى من حلقات الظلم و الطغيان على أرض الكنانة... أرض مصر الموكوسة
و رجائى الأخير... المساعدة قدر الإمكان...حتى لا يضيع ما يفعلون هباءا... حتى نثبت لهم أنهم يناضلون من أجل ما يستحق... حتى لا يتلاشى الأمل... سواءا بالنشر أو التوعية
و هذا ملف كامل حول القضية
و بالمشاركة فى حملة التوقيعات من أجل الإفراج عن... و لا أقول كما يقولون الشرفاء... و لكن من أجل الإفراج عن آبائنا
أو على الأقل إن كنت لا تستطيع إلا الدعاء... فلا تبخل به عليهم
و أخيرا و ليس بآخر... لا أملك سوى الدعاء و الأمل... و ثقتى بأن نصر الله قريب
"أَمْ حَسِبْتُـــمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَ زُلْـــزِلُواْ حَتَّــــى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَـــهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ"
لا أملك سوى أن أؤمن على دعوة أبى و قدوتى و مثلى من خلف الأسوار... الأسوار الحقيقية الغاشمة... و ليس كما اعتدنا فى تلك السلسلة
بأن يفك أسر مصر
اللهم فك أسر الموكوسة... اللهم فك أسر الموكوسة... اللهم فك أسر الموكوسة
انتهت سلسلتنا... و لكن لم تنتهى معاناتنا... فما بقى الظلم سيبقى الرجال... و تبقى القصص
يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما *** ليس بعد الليل إلا فجر يتسامى
و لكن هذه قصة أخرى